القديس مكاريوس السكندري، المعروف أيضًا بمقار الصغير أو أبو مقار السكندري، كان أحد الثلاثة مقارات المذكورين في القداس الإلهي، وعاصر القديس مكاريوس الكبير. لُقِّب بـ"أب جبل القلالي" لأنه كان مرشدًا لآلاف الرهبان المتوحدين هناك، حيث بلغ عددهم نحو خمسة آلاف. ولد في الإسكندرية حوالي عام 296م لأسرة وثنية فقيرة، وعمل خبازًا للحلويات والفطائر. كان قصير القامة، بشارب رفيع ولحية بسيطة في شبابه. اعتنق المسيحية في سن الأربعين، وتعمد، ثم ترك العالم وتتلمذ على يد القديس الأنبا أنطونيوس.
القديس مكاريوس السكندري تتلمذ في نتريا على يد القديس بامو والأنبا آمون الكبير، وتعمق في النسك والعبادة. كان مرحًا وخفيف الظل، يجذب الآخرين ببهجته، ونشيطًا غيورًا في اقتناء الفضائل حتى أتقن معظمها، فصار قدوة وفَاق كثيرًا من الآباء. كان يكن احترامًا كبيرًا لأبو مقار الكبير الذي سبقه للرهبنة والكهنوت، إذ نال هو الكهنوت سنة 355م بعد أن ناله أبو مقار الكبير سنة 340م. لاحقًا انتقل إلى منطقة كيليا بين نتريا والإسقيط، وكانت حينها قفرًا موحشًا.
ذات مرة انشغل القديس مكاريوس السكندري بالصلاة والتأمل في المسيح والقديسين حتى ظل خمسة أيام بعقله معلقًا بالسماء دون انقطاع. حاولت الشياطين تشتيته بخدش قدميه، والتشكل كثعابين، ثم بإشعال النار في قلايته، لكن صلاته القوية أبطلت كل محاولاتهم. وكان يذكر هذه الفترة قائلاً إنها أفضل أيام حياته.
في إحدى المرات، كان القديس مكاريوس السكندري مع الأنبا مقار الكبير في مركب، والتقيا بمحاميين أغنياء. قال أحدهما لهما مازحًا إنهما مطوبان لابتعادهما عن العالم، فأجابه مكاريوس بأنهما حقًا تركا العالم، لكن العالم هو من يسخر من المحاميين. أثرت كلماته في المحامي حتى تخلى عن ثروته واتجه للرهبنة. كان مكاريوس قس القلالي وأبًا روحيًا للرهبان، وتميز بشفافية روحية عالية، إذ كان يرى ملاك المذبح وأرواح الملائكة والقديسين أثناء الصلاة، مما ملأه رهبة وخشوعًا.
تنيح القديس مكاريوس السكندري حوالي سنة 394م عن عمر يقترب من المئة، قضى منها 40 عامًا في الإسكندرية وأكثر من 60 عامًا في نتريا وجبل القلالي، حيث أسس الحياة الرهبانية هناك وكان أبًا روحيًا لآلاف الرهبان (3500–5000). له عدة قوانين ورسائل روحية طُبعت في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتحتفل الكنيسة بذكراه في 6 بشنس (14 مايو).
في كواكب الأبرار قائم بكل وقار حبيب يسوع البـــــار
بنيوت آفا مكاريوس
أصله إسكندراني خباز وحلواني ترك العالم الفاني
آمن بالفادي الأمين في سن الأربعين وصار من القديسين
ترك كل أعماله وشغل عقله وباله يسوع راس ماله
فسكن القلالي سهران الليالي فكره في الأعالي
كان في جهاده عظيم وفي إيمانه مستقيم حير إبليس اللئيم
شياطين كثيرة بمناظر حقيرة أحرقوا له الحصيرة
لكنه كان بثبات واقف كما في السموات فكره لم يتشتت
ولأنه كان صوام حاربوه على الدوام في الشراب والطعام
فقال قوتي في ربي له تمجيدي وقلبي يا إبليس لا تجربني
بعد بضعة سنين صار كاهناً أمين يرعى المؤمنين
هادئ الطباع رقيق للملائكة صديق حريص في كل طريق
متواضع ووديع ومُحِب للجميع للوصية مطيع
محبوبا ومحب لا يعرف الغضب مهما كان السبب
كان وجهه دائما بشوش لا يعرف العبوس رحوم على الوحوش
ضبعة أتت إليه ألقت تحت قدميه ابنها ففتح عينيه
فصارت متهنية للقديس وفية أتت له بفروة هدية
كانت عنده غالية لكنه رفض القنية فأهداها لميلانيه
نحيف قصير القامة وابتسامته علامة متجرد من الكرامة
يجاهد بكل وسيلة بتداريب طويلة ليصل لكل فضيلة
وكان مرة عند العين يعمل شغل اليدين فلدغه ثعبان لعين
بمعونة رب معين شق الثعبان نصفين وتهلل الأمين
مرشد وأطيب أب زاهد عطوف ومُحِب اسألوا عنقود العنب
أعطاه رب القوات مواهب صنع الآيات فقصدوه من كل شتات
لما البابا استدعاه أمطرت السماء فرح الكل برؤياه
دقيق في نسكياته ملتهب في صلواته نشيط كل حياته
مهما الشياطين حسدوه ضابط فكره وجسده فذاع صيته ومجده
ستون سنة نسكية في سكنى البرية ومن العمر عاش مية
السلام للأنبا مكاريوس خادم باشويس إيسوس شبيه ني أنجيلوس
تسبيح اسمك في أفواه كل المؤمنين الكل يقولون يا إله أنبا مكاريوس أعنا أجمعين
القديس مكاريوس السكندري
هو أحد الثلاث مقارات القديسين، الذين يأتى ذكرهم في القداس الإلهى.
وقد عاصر القديس مكاريوس الكبير، وتمييزا له عنه أطلق عليه إسم مكاريوس الصغير، ويلقب أيضا أنبا مقارة الإسكندراني – أبو مقار السكندري أو الأنبا مقار المدني نسبة إلى مدينة الإسكندرية).
وكان أبا ومرشدا لجميع القلالي القريبة من الإسكندرية ودعي أب جبل القلالي.
وقد بلغ أتباعه من المتوحدين خمسة آلاف راهبا يتعلمون من فضيلته وقد استه.
نشأته وحياته
ولد بالإسكندرية حوالي عام ٢٩٦م من والدين وثنيين فقيرين، إشتغل خبازا يصنع الحلويات والفطائر بضع سنين وكان محبا للناس، كان قصير القامة، له شارب رفيع ولحية بسيطة في شبابه المبكر.
صار مسيحيًا وتعمد في الأربعين من عمره، ثم ترك كل شيء في العالم وذهب إلى القديس الأنبا أنطونيوس وتتلمذ علي يديه.
(۱) الثلاث مقارات القديسين هم القديس مكاريوس الكبير أو أبو مقار المصرى، والقديس مكاريوس السكندري، والقديس مكاريوس أسقف إدكو).
ذهب إلى منطقة نتريا وتتلمذ على يد القديس بامو (بموا) (۲) والقديس الأنبا آمون الكبير وتعمق في حياة النسك والعبادة.
كان خفيف الظل، وكانت شخصيته مرحة جدا، يجذب الآخرين نحوه فيأتون إليه ويبتهجون بحضوره.
وكان نشيطا وله غيرة نارية في التمثل بأعظم النساك في التقشف واقتناء الفضائل فما كان يسمع أن أحد تلاميذه أو أحد النساك له فضيلة ما إلا ويدرب نفسه عليها ويُكملها، حتى أتقن معظم الفضائل فكان قدوة ومثال في الجهاد حتى فاق آباء كثيرين.
كان يحب كثيرًا أبو مقار الكبير ويوقره إذ سبقه للرهبنة بنحو خمس سنوات وسبقه للكهنوت بنحو ١٥ سنة فنال أبو مقار الكبير الكهنوت سنة ٣٤٠م بينما نال أبو مقار السكندري الكهنوت سنة ٣٥٥م .
بعد ذلك توجه إلى الصحراء المجاورة للإسكندرية إلى كيليا أو سيليا (۳) التي كانت قفرا موحشا، وكان هذا المكان بين نتريا والإسقيط.
(۲) الأنبا بامو هو تلميذ الأنبا آمون الكبير تلميد الأنبا أنطونيوس، وهو مؤسس الحياة الرهبانية في منطقة نتريا وجبل القلالي – كما سيأتي الحديث عنها في الفصل الثاني.
(۳) سيليا هي منطقة جبل القلالي – وسميت كذلك بسبب كثرة القلالي التي أنشأها تلاميذه في هذا المكان.
سيرة القديس مكاريوس السكندري
ومما يُذكر عن القديس مكاريوس السكندري ..
ذات مرة وقف يصلي فثبت عقله بالسماء، وشغل نفسه بالسيد المسيح والطغمات السمائية والحياة الملائكية والشهداء والقديسين في العهد القديم والجديد، ولما مر عليه يومان دون انقطاع صارت الشياطين تخدش رجليه فلم يلتفت إليها، فتشكلت بشكل ثعابين أخذت تلتف حول رجليه، أما هو فلم يلتفت إليها ولم يجعل أفكاره تنزل علي الأرض فأشعلت الشياطين النار في كل ما في القلاية حتى الحصيرة التي يقف عليها ماعدا ما تدوسه أبطان قدميه، ولكن صلاته النارية لاشت كل هذه الخيالات، وهكذا ظل عقله ٥ أيام معلقا بالسماء، وظل يذكر هذه المدة ويقول: “أنني لم أرى أياما مثل هذه الأيام الخمسة”.
وذكصولوجية الأنبا مقار الصغير تذكر هذه الحادثة:
تشهد عنك بالحقيقة
المغائر المظلمة
التي سكنت فيها يا أنا مقار القس
حتى أنك إستحققت
أن تقف أمام الرب
خمسة أيام وخمس ليالي
وعقلك في السموات
تسبح مع الملائكة والطغمات السمائية
وكل المصاف القديسين
ممجدا الثالوث
كان الأنبا مكاريوس السكندري يعتبر الفضيلة التي تعرف تصير عديمة الجدوى ..
وقد كان القديس مكاريوس حلو وخفيف الظل ويحب المرح حتى الشياطين كانت تحاربه بمرح، وتدبر له مقالب مضحكة ..
ذات مرة .. سار في الصحراء عدة أيام وكان يغرز كل مسافة قطعة من البوص لتهديه عند عودته، وعندما تعمق في الصحراء ونام وجد الشيطان قد جمع كل هذه الأعواد ووضعها بجواره .. ولما إستيقظ سمع صوت: “ينبغي أن يكون لك إيمان بالله وتثق أن الذي هدى بني إسرائيل بعمود النار والغمام يستطيع أن يهديك” .. إبتسم أبو مقار .. وفي عودته ضل الطريق وتعرض إلى العطش الشديد، وكان يبصر إمرأة مرتدية ثياب فاخرة تحمل جرة ماء على مرأى البصر، فيسرع إليها فلا يدركها لأنها خيال شيطاني وتكرر هذا الموقف عدة أيام إلى أن أصابه الإعياء الشديد فوجد قطيع بقر وحشي وجاءت بقرة مرضعة ووقفت بجواره فتعجب متسائلا: “ماذا تريد هذه البقرة مني ؟!” .. فسمع صوتا يقول: “إشرب من لبنها لتتقوي وترجع إلي قلايتك”.
فشرب من لبنها ونام قليلا وقام مواصلا السير والرب أرشده إلى قلايته وأخذ درسًا قويًا أن يجعل إعتماد قلبه على الله وعلى فهمه لا يعتمد.
وقد أخذ موهبة إخراج الشياطين وشفاء المرضى .. لذلك أقبل إليه كثيرون من مصر وخارجها، وإذ بشيطان المجد
الباطل يحاربه ويقنعه أن يذهب إلى روما مدينة الملوك حتى يقف على أبوابها ويشفي المرضى حتى لا يتحملوا مشقة السفر ويأتوا إليه، فمن الرحمة أن يذهب هو إليهم، واشتد عليه هذا الفكر ولم يفارقه فجلس على عتبة قلايته ومد رجليه وقال للشياطين: “إن كان عندكم القدرة لتجروني بعيدا عن قلايتي ولو لشبر واحد فإنني سأذهب إلي روما”، ومع هذا فإن حرب الأفكار لم تهدأ .. فصرخ في الشياطين قائلا: “لقد قلت لكم ليس لي رجلان أمشي عليها إن كنتم تقدرون أن تحملوني إلى روما فإحملوني فإن لم تقدروا أن تحركوني فلن أسمع لكم ” ، فلم يجرؤ شيطان أن يلمسه لأنه لا يكف عن الصلاة القلبية .. وحل الليل والحرب تشتد عليه أكثر فأكثر، فما كان منه إلا أنه نهض وحمل حملا ثقيلا من الرمال وأخذ يطوف بها في البرية وقابله الأخ ثيئوسيبيوس الأنطاكي، فقال له: “ماذا تحمل يا أبي دعني أحمله أنا ولا تتعب نفسك” فأجاب الأنبا مقار : “أنا أشقي الذي يشقيني لأني إذا أرحته لا أستطيع أن أضبطه، فهو يجلب على أفكارا ليلقيني خارج قلايتي”.
وكان أنبا مقار السكندري يخاطب الشيطان: “أعندك شئ ضدي، لن تجد في شيئًا لك، اذهب بعيدا عني”.
وفي ذات يوم .. أضناه الجوع والعطش والتعب، فظهر له الشيطان وقال له بنغمة عذبة بكلام منغم: “لماذا لا تستخدم ما بقي فيك من قوة لتحصل على الطعام بثمن زهيد لكيما تواصل طريقك بكل إرتياح”، فصوّر له الشيطان جملا ضالا يحمل أطعمة وكان ينوء بحمولته، ولكن
القديس الذي يعرف معاكسات الشيطان وإدعاءاته إنتصب بالصلاة فإنشقت الأرض وإبتلعت الجمل وما عليه.
وفي إحدي الليالي .. قرع الشيطان بابه قائلا: “قم يا مكاري وإذهب إلى إجتماع التسبيح مع الإخوة”، فقال له القديس: ” يا كذاب يا عدو الحق ماذا تعرف عن الإجتماع الذي نوجد فيه مع القديسين؟ “
فقال الشيطان: “ألا تعلم يا مكاري أنه لا يوجد إجتماع للرهبان بدوننا!”.
فذهب القديس إلى الكنيسة وطلب من الله أن يكشف له الحقيقة، فوجد في الكنيسة صبية لونهم أسود يمرحون هنا وهناك وبعضهم يملأ أفكار بعض الرهبان بالضيق والضجر والبعض الآخر يضع أصابعه في أفواه الرهبان فيتثاءبون، والبعض يشتت أذهان رهبان بمناظر النساء والأطعمة والمشروبات وبعض الرهبان ينسكبون في صلوات حارة تجعل هؤلاء الصبية يهربون منهم، وبعد الصلاة تقابل مع الرهبان الذين رأى الشياطين يعبثون بهم، وسأل كل واحد منهم على إنفراد كيف كانت صلاتهم؟، فجاءت أقواله تطابق ما رآه.
وذات مرة سطا اللصوص على قلايته وحملوا كل ما فيها ووضعوها على ناقة إلا أن الناقة أبت النهوض رغم كل المحاولات لإنهاضها، بل ظلت تصرخ حتى ضوء الصباح وإذ رأوا القديس مقبلا عليهم شعروا بالندم الشديد وسجدوا له معترفين بما إقترفوه، أما هو فقال لهم إنتظروا، فدخل قلايته يفتشها فوجد فيها آنية بها زيتون باقية خلف باب القلاية لم ينتبه لها اللصوص، فحملها لهم وقال لهم: “هل علمتم لماذا لم
تتحرك الناقة حتى تأخذوا هذه أيضًا، إنصرفوا بسلام”، ونهضت الناقة وساروا في طريقهم وفي الغد أقبل عليه بعض الإخوة من سفر لسماع كلمة منفعة منه، ولما حان وقت الطعام وهو لا يملك شيئا قال لهم: “إن كان عندكم أرغفة إحضروها لنأكل، لأن حاجاتي أعطاها الله لبعض الفقراء المعوزين في هذه المجاعة”.
…
وفى ذات مرة .. ركب مع الأنبا مقار الكبير مركبا كبيرا، وكانا يرتديان ثياباً بالية، بينما كان هناك محاميان مرموقان تصحبهما الحراسة ويرتدون ملابس فاخرة جدا، فقال أحد المحامين لهما: “مطوبان أنتما يا من سخرتها من العالم” فقال أبو مقار السكندري له: “نحن سخرنا من العالم، ولكن العالم يسخر منكما، وأنت تكلمت بإلهام لأن إسم كل واحد فينا مكاريوس أي مطوب أو مغبوط، وأنت قلت مطوبان . وإذا بضمير المحامى يستيقظ حتى أنه خلع ثياب المجد، ووزع أمواله وممتلكاته وقصد البرية طالبا الحياة الرهبانية، حياة التجرد والفقر الإختياري والطاعة.
وكان أبو مقار قس القلالي والأب الروحي للرهبان المتوحدين على درجة عالية من الشفافية حتى أنه كان يرى ملاك المذبح وهو يصلي، وكثيرًا ما كان يبصر أرواح ملائكة وقديسين تملأ الهيكل، فكان ينتابه خوف ورهبة.
ذات مرة .. قصده كاهن تأكل لحم وجهه، فكان منظره صعب للغاية، وقد صرف أمواله على الأطباء دون جدوى، فسقط عند قدمه ملتمسا صلواته عنه، ولكن الواقفون فوجئوا أن أبو
مقار الرجل الحلو المملوء بالمحبة يشيح بوجهه عنه، فتوسل إليه الحاضرون أن يُصل له، فقال لهم: “إتركوه فهو لا يستحق الشفاء لأنه يذهب إلى مكان الذبيحة وهو دنس”، فظل الكاهن يترجاه كثيرا وهو يصرفه عنه، وفي اليوم الثالث نادى القديس الكاهن بإسمه وسأله: “هل تعرف لماذا جلب الله عليك هذا العقاب؟” فأجاب: “نعم يا أبي”، فقال له: “مادمت تعرف خطاياك إذا تب عنها فتخلص ” ، وطلب منه القديس أن يتخلى عن عمله الكهنوتي فوافقه الكاهن، فدهن القديس وجه الكاهن ورشمه بالزيت وأنعم الله عليه بالشفاء.
…
عندما سمع القديس مكاريوس السكندري أن رهبان الأنبا باخوميوس في طبانسين بالقرب من الأقصر يعيشون حياة التقشف الشديد ولاسيما في الأربعين المقدسة إرتدى ثياب فلاح وقصد الدير مشيًا على الأقدام، فبلغه بعد ١٥ يوما والتقى بالأنبا باخوميوس دون أن يعلمه بأمره، وطلب منه أن يقبله في ديره فربما يصير راهبًا فقال له الأنبا باخوميوس: ” أنت رجل متقدم في الأيام لا تقوى على الممارسات الرهبانية القاسية”، وإقترح عليه أن يذهب إلى مساكن الضيافة ليمضى الوقت الذي يريده وأمضى أبو مقار الأسبوع الأول طيا دون طعام، وعاد للأنبا باخوميوس ثانية يطلب منه أن يتيح له الفرصة، وإن لم يقدر على ممارسة الصوم والتقشف وعمل الأيدى فليطرده فأرسله الأنبا باخوميوس إلى الإخوة الرهبان وكان عددهم ١٤٠٠ راهب قبل السعف بالماء ووضعه على مصطبة عالية حتى تصل
إليه يده، ووقف يضفر الخوص ليل نهار، لم يثن ركبتيه ولم يضطجع وكان كل يوم أحد يأكل بعضا من ورق الكرنب، حتى يبدو أكلا أمام الآخرين، وإذا خرج لقضاء حاجته أو ليغير مياه الخوص كان يرجع سريعًا دون أن يفتح فاه بل كان صامتا يصلى بقلبه.
فضجر الرهبان منه وقالوا للأنبا باخوميوس: ” من أين أحضرت هذا الرجل الذي كأنه بلا جسد ليديننا ؟ .. إن لم تخرجه من هنا نخرج نحن جميعا من هنا “.
فطلب الأنبا باخوميوس منهم أن يتأنوا حتى يكشف الله سر هذا الرجل، فأعلن الله للقديس باخوميوس عن شخصية هذا الرجل أنه مكاريوس السكندرى …..
وعقب صلاة القداس الإلهى ناداه الأنبا باخوميوس أمام جميع الرهبان بإسمه وقال له: “هيا إلى هنا أيها الشيخ الجليل كيف يكون هذا ؟ أنت هو الأنبا مكاريوس السكندرى وقد أخفيت نفسك عنا، كم لي من الزمان أسمع عنك وأريد أن أراك ولكني أشكرك لأنك وعظتنا كلنا وعلمت الأخوة الشبان أن لا يفتخروا بأعمالهم التقوية ولو بذلوا غاية جهودهم، فلن يقتربوا قط من مقياس الأربعين يوما التي لسيدنا ومخلصنا يسوع المسيح ابن الله الحي .. فعد إلى مكانك بسلام، فقد وعظتنا وأرشدتنا كلنا بما فيه الكفاية، وصلي من أجلنا”، ففرح به الرهبان وتباركوا منه.
عندما اشتد الجفاف فى الأرض .. أرسل البابا تيموثاوس ال ٢٢ لأبو مقار السكندرى يستدعيه، وعندما ألح عليه رسل البابا ذهب معهم، وفي ذهابه كان يصلي من أجل المدينة
العظمى الإسكندرية ودخل أبو مقار من باب الشمس وإذ بجمع غفير يخرج لإستقباله بالألحان وسعف النخل، ولما وصل الكنيسة هطلت أمطار غزيرة كالسيول ولم تنقطع لمدة يومين، وعندما سأل القديس البابا البطريرك عن سبب إستدعائه قال له: “لقد طلبنا إليك أن تأتي لتصلي لأجل نزول الأمطار.. والله قد رحمنا واستجاب لصلاتك .. ويكفي هذه الأمطار الغريزة لئلا نهلك”، فصلى القديس فتوقف المطر.
وإذ كان بالمدينة ممن يعبدون الكواكب قالوا عنه أنه ساحر عظيم دخل من باب الشمس وأهطل الأمطار، أما هو فأمضى ثلاثة أيام شفي خلالها مرضى كثيرين فمجدوا إسم الله العامل في قديسيه.
وعندما عاد إلى البرية مازحه الأباء الرهبان قائلين له: “لقد ذهبت إلى الإسكندرية وتنزهت هناك ” فقال لهم: “صدقوني لم أنظر إلى عمود أو سوق أو ميدان ولا وجه إنسان سوى وجه البطريرك وحده لقد كانت الجموع تزحمني من كل ناحية ولكنني وضعت في قلبي ألا أرفع بصرى لأنظر في أحد حتى لا أفتح لنفسي بابا للتجارب بواسطة عينى”.
…
كان القديس مكاريوس رحومًا حتى على الوحوش فقال عنه أنبا بفنوتيوس تلميذ أبو مقار الكبير أن “ضبعة” جاءت تقرع باب القديس برأسها، فلما فتح الباب وجد ضبعة كبيرة تنحنى أمامه ومعها وليدها وهى تبكي فذهل وأخذ الوليد وتفحصه وإذ به أعمى العينين فتنهد وبصق على عينيه ورشمهما بالصليب .. فإنفتحت عيناه فأخذته أمه وإنصرفت
وبعد هذا أحضرت له الضبعة فرو خروف إفترسته فرفض الأنبا مكاريوس أن يأخذ منها الفرو لأنه نتاج الافتراس، ولكن لما حزنت الضبعة قال لها القديس أنه سيقبل منها الفرو بشرط ألا تعود مرة أخرى للإفتراس، وإن لم تجد ما تأكله تأتي إليه وهو يطعمها، فهزت الضبعة رأسها بالموافقة فأخذ منها الفرو واحتفظ به وظل يفترشه، إلى أن زارته القديسية ميلانيا فأهداها هذا الفرو، وكانت الضبعة عندما تجوع تذهب إليه فيعطيها طعاما مما يوجد عنده، ولهذا نجد في أيقونته ضبعة ووليدها.
قدم إليه عنقود عنب فاخر .. لكنه قدم العنب إلى أخ مريض فشكره الأخ ، وهو بدوره قدمه لآخر حاسبًا أنه محتاج إليه أكثر منه، وحمل العنقود بهذه الطريقة إلى كل كيليا وفي النهاية عاد إلى القديس دون أن يأكل منه أحد، ففرح بمحبة الرهبان لبعضهم البعض، وتقديم كل واحد الآخر عن نفسه وهذه القصة ينسبها البعض للقديس مكاريوس الكبير لكن التاريخ يذكر أنها حدثت مع القديس مكاريوس السكندري هذا ما ذكره شينو في كتابه “لسان دى جبت” و” السنكسار القديم” وأيضا “فردوس الآباء ج 1 إعداد راهب من برية شيهيت” وغيرهم .
وسواء هذا أو ذاك فإن القصة تظهر عمل الله مع الآباء الرهبان ومحبتهم الشديدة لبعضهم البعض، ولكننا نحن نذكر ذلك من قبل الحقائق التاريخية فقد كانا القديسان صديقين .. وقد تعرضا الإثنان للنفي معا.
عندما اشتد الصراع بين الأريوسية والأرثوذكسية قام أسقف إسكندرية الدخيل الأريوسي “لوس Luse” أي “لوقا” في أيام الإمبراطور فالنس الأريوسى وإنطلق إلى البرية ومعه ثلاثة آلاف جندي حيث النساك والعباد ولباس الصليب نظرا لتمسكهم بإيمان مجمع نيقية وتشجيعهم للشعب لرفض الأريوسية، فقتل عدد كبير من الرهبان، وحضر هذا الموقف المؤرخ روفينوس” الذي تصادف وجوده في برية شيهيت فكتب يقول : “ولما وصلوا تلك البراري وجدوا فيها رهباناً منشغلين في عبادتهم وأحوالهم وخدمتهم، عُزل بلا سلاح بل وغير مستعدين حتى للدفاع عن أنفسهم، بل ومصممين على سفك دمائهم صونا للإيمان المستقيم الذي سلم لهم مرة من القديسين.
كما وجدوا في تلك البراري نساكا عراة لا يرفعون حتى أيديهم لصد الضربات الموجهة نحوهم، بل يقدمون الرقاب لقبول الموت دون أن يقولوا شيئًا سوى: «مبارك الله في كل شيء”.
وأرسل هؤلاء القساة ليلا رسلهم للقبض على القديسين مكاريوس الكبير ومكاريوس السكندري، ونفوهما إلى جزيرة وثنية بها مستنقعات سنة ٣٧٥م، وكان في هذه الجزيرة معبد فرعوني يتعبدون فيه ويهابونه، وعندما إقترب المقاران هاج الشيطان وإضطرب وإنزعج ودخل في إبنة الكاهن الوثني فصارت تركض من مكان إلى مكان وهي
(٤) هي جزيرة فيلة، وهي جزيرة تبعد ثماني كيلو مترات عن جنوب أسوان، وتعرف بإسم جزيرة «آنس الوجود»، وقد غمرتها مياه بحيرة السد العالي حاليًا – مراجع سنكسار ۱۳ برمهات.
تصرخ وتصيح مثل عرافة فيلبى قائلة: “يا عبيد يسوع المسيح ما أرهب قدرتكم .. هل يجب يا عبيد الله العظيم أن تأتوا لتطردونا من المكان الذي نقيم فيه منذ زمن طويل. فصلى عليها القديسان وأمرا الشيطان أن يخرج منها فصرعها وخرج منها، فصليا للفتاة فعادت صحيحة معافاة فآمن أبيها الكاهن وبقية الشعب بالرب يسوع، فقام القديسان بتعميدهم ليلة عيد الغطاس وحولا المعبد إلى كنيسة وعوض الشياطين حلت الملائكة، وعرفت الجزيرة طعم السلام ولما عُرف الخبر في الإسكندرية وجهوا اللوم الشديد للأسقف الأريوسي القاتل، بل أن حتى أتباعه لاموه، وطالبوه بإعادة القديسين من منفاهما فأرجعهما سرا .. وعندما لم يعرفا طريق العودة ظهر لهما ملاك الرب وأرشدهما إلى الإسكندرية، ومنها وصلا إلى البرية، وإذ علم الرهبان خرجوا بالآلاف لإستقبالهم، وبلغ عددهم نحو خمسة آلاف راهب ومعهم الأنبا بيشوي والقديس يوحنا القصير، ففرح بهم المقاران وباركاهم.
وسجلت الكنيسة هذا الحدث في السنكسار حيث نحتفل في يوم ۱۳ برمهات الموافق ٢٢ مارس من كل عام بتذكار عودة القديسين مكاريوس الكبير ومكاريوس السكندري من منفاهما.
+ يذكر لنا التاريخ أن بلاديوس عندما ذهب للقديس مكاريوس السكندري وكان عمره نحو مائه عام وتتلمذ علي
يديه كان يسمعه يقول لنفسه : “ماذا تريد أيضًا؟” بينما كان يعيش في تقشف شديد جدا، حتي أنه كسر الخبز الجاف ووضعه في جرة فوهتها ضيقة، وكان يقول: “إذ جاء وقت طعامي أضع يدي في الجرة واملأها بقوة، ولكن فم الجرة يمنع يدي من الخروج لأنه ضيق، فكنت أغتاظ ، وظللت علي ذلك ثلاث سنوات أكل كل يوم عند غروب الشمس الخبز بمقدار والماء بمقدار، وكنت أستعمل في السنة كلها قسطا واحدًا من الزيت.
وكان يقول: “منذ اليوم الذي صرت فيه راهبا لم أكل خبزا ولم أنم حتى الشبع .. كل الآباء الشجعان لم يمرضوا لأنهم كانوا يضبطون أجسادهم بحسب القدر المحدد”.
نياحة القديس مكاريوس السكندرى
تنيح القديس العظيم مكاريوس السكندرى نحو ٣٩٤م، بعد أن قرب المائة عام أمضى منها نحو أربعين عاما في الإسكندرية وأكثر من ستين عامًا في منطقتى نتريا والقلالي، فكان أبا روحيا لمنطقة جبل القلالي ومؤسس الحياة الرهبانية فيها، وبلغ عدد المتوحدين في منطقة القلالي من ٣٥٠٠ إلى ٥٠٠٠ راهب.
وللقديس مكاريوس السكندرى عدة قوانين طبعت في باريس سنة ١٦٣٧م، وأيضا رسائل عن نفوس الأبرار بعد الموت طبعت في سويسرا سنة ١٦٩٦م.
وتعيد الكنيسة بتذكار نياحة القديس مكاريوس السكندري في يوم ٦ بشنس الموافق ١٤ مايو من كل عام.
من أقوال القديس مكاريوس السكندري :
قال لرهبان شبان لكي يملأهم بالغيرة: ” منذ اليوم الذي صرت فيه راهبًا لم أكل خبزا حتى الشبع، ولم أنم حتى الشبع ولم أشرب حتى أرتوى، وإلى يومي هذا لم أمرض. وكل الآباء الشجعان لم يمرضوا، لأنهم كانوا يضبطون أجسادهم بحسب القدر المحدود”.
“إنَّ لي الآن ستين سنة وأتلو مئة صلاة (مزمور) في اليوم بالإضافة إلى أنني أهتم بمؤونتي، وأعطى وقتا للإجابة على مشورات الإخوة، ومع ذلك فكري لا يدينني كمن يعامل الله بإستخفاف، وأما أنت الذي تقدم لله ثلاثمئة صلاة في اليوم فقد جعلت أفكارك تدينك ! فإما أنك لا تصليها بنقاوة قلب أو أنك قادر أن تصلي أكثر ولا تفعل”.
كما أن للبستان الواحد ينبوع واحد يسقيه ويعطي أثمارًا مختلفة متعددة الطعم واللون، هكذا أيضا الرهبان، فهم من عين واحدة يشربون وروح واحد يسكن فيهم ولكن ثمارها مختلفة، فكل واحد يعطي ثمره بقدر ما يفيض الله عليه.
قال أنه منذ أن تعمد لم يبصق على الأرض، وكان له حينئذ ستون سنة منذ أن تعمد، وذلك كان توقيرا ومهابة لجسد ودم السيد السيح اللذين كانا يتناولهما .
وكان يُتعب جسده بالنسك قائلا: “إنني أتعب الذي يتعبني، فهو غير قانع ويريد أن يخرجني خارجاً”.
“لا يمر يوم سبت أو يوم أحد دون أن أرى الكنيسة مليئة بالملائكة وهم قيام داخل الهيكل في الموضع المقابل لي أثناء وقوفي على المذبح أقدس جسد الله الكلمة”.
“إذا أعترفت بخطيئتك وعقاب الله هذا بسبب ما ارتكبته، فاصلح نفسك فيا بعد أو “طالما أنك تعرف خطاياك فإذا تحولت عنها تخلص”.
في حربه ضد الشياطين وحيلهم المخادعه كان يقول: “إن قوتي هي في الذي له كل تمجيدي … هل أنا مدين لك بشئ الآن؟ إنك لن تجد شيئا، اذهب عني. ثم يقول لنفسه بدندنة ها أنت قد أبيض شعرك. إلى متى سأظل معك ؟.
في جهاده كان يصلي قائلا:
“انظر يارب، اللهم لا تصمت، لا تسكت ولا تهدأ يا الله” (مز (۱:۸۳) قم يا رب وليتبدد جميع أعدائك وليهرب مبغضوك من أمام وجهك” (مز (١:٦٨)، لأن نفوسنا قد امتلأت بالأباطيل … المجد لك ياسيدى يسوع المسيح مخلص الذين يرجونه
في ذات يوم .. شعر القديس بلاديوس بالضجر فذهب إليه وقال له : “ماذا أفعل يا أبي؟ فإن الأفكار تعذبني، قائلة إنك لا تحقق أي تقدم أذهب من هنا (أي أن كانت الشياطين تحاربه بترك الدير).
فأجابه القديس مكاريوس السكندرى قائلا:
“قل لها – ” من أجل المسيح أنا أحرس الأسوار، أحرس حوائط القلاية حتى ولو كان ليس لي أعمال من السمو الروحي وسيكون اسم المسيح كافيًا لفداء نفسي”.
“احذر أن يخدعك العالم ببريقه”.
أولا نشأة دير جبل القلالي قديما
نشأت الرهبنة في جبل القلالي عندما زار الأنبا أنطونيوس منطقة نتريا لإفتقاد الأنبا آمون وأولاده نحو منتصف صيف ٣٣٥م، وكم كانت فرحتهم بزيارة كوكب البرية لهم، فاستقبلوه إستقبالا رائعًا، وجلسوا تحت أقدامه يتعلمون منه، وعندما إنقضى الإجتماع قال الأنبا أمونيوس الأول للأنبا أنطونيوس أب الرهبان: “بفضل صلواتك تزايد عدد الأخوة كثيرا وإمتلأ بالرهبان ونخشى أن يفقد المكان هدوءه بسبب كثرة الرهبان والبعض يرغب في بناء قلالي بعيدًا ليتمتعوا بالوحدة فبماذا تنصحنا؟”.
أجاب الأنبا أنطونيوس: “بعد أن نأكل وجبة الساعة التاسعة ننطلق إلى الصحراء لتحديد المكان المناسب فقد كان الرهبان يأكلون مرة واحدة في اليوم في الساعة التاسعة أي الثالثة بعد الظهر)، وبعد أن أكلا طعامهما البسيط للغاية وشكرا، قام الأنبا أنطونيوس ومعه الأنبا آمون وسارا معا في الصحراء غربا حتى غروب الشمس نحو أربع ساعات ( كان ذلك في شهر يوليو تقريبا)
وقف الأنبا أنطونيوس في مكان فسيح وغرس صليبا في الأرض ووقف يصلي ومعه الأنبا آمون وقال: “هنا يسكن أولادك محبو الوحدة والهدوء ويستطيعون أن يكونوا في تواصل معهم ، فمن أراد أن يزور الآخر ينطلق بعد التاسعة فيصل قبل الغروب” .. وهذه المسافة تبلغ ١٢ ميلا أي ١٩ كم.
وبذلك تأسست الحياة الرهبانية في جبل القلالي، وابتدأ الرهبان ينتقلون إليها بحثا عن الوحدة والهدوء حتى ازداد عددهم، واحتاجوا إلى مرشد وأب روحي لهم، فوقع الاختيار على الأنبا مكاريوس السكندري، فرسم قسا عام ٣٥٥م، وصار أبا ومرشدا لجبل القلالي نظرًا لنموه الروحي ونسكياته وقبول الرهبان له.
وسريعا ما بدأت الحياة الرهبانية كحياة توحد في هذه المنطقة فعاش الرهبان المحبون للوحدة في منشوبيات بلا أسوار والمنشوبية أي مسكن للرهبان» من الكلمة القبطية (manywm) البعض منها يعيش فيها راهب واحد متوحد والبعض يعيش فيها نحو من 3 إلى ٥ رهبان مع مرشدهم الروحي لكل منهم حجرته، وسقف المنشوبية عبارة عن قباب.
وسميت هذه المنشوبيات بنوعية سكانها مثل: منشوبية الخبازين ومنشوبية النساخ، كما دعيت بموطن سكانها فهناك منشوبية الدماهرة أي الذين أتوا من دمنهور ومنشوبية البتانون ومنشوبية أخميم.
وكانت كل منشوبية تبعد عن الأخرى مسافة كافية فلا يسمعون بعضهم البعض، كل منهم في وحدته مواظبا على صلواته وتسبيحاته وقراءاته وعمله اليدوي يتناول الراهب المتوحد فيها الطعام مرة واحدة في اليوم، وغالبا ما يكون الطعام خبز جاف وملح وقليل من الزيت.
وإذا كانت معدة الراهب المتوحد لا تتحمل فيسمح له
بتناول بعض الخضار المسلوق، ولا يرون بعضهم بعضا إلا ليلة السبت حتى صباح الأحد حيث يفدون إلى الكنيسة فتجدهم متهللين وكأنهم قادمون من السماء .. يقيمون صلوات التسبحة والقداس الإلهي ويعودون إلى قلاليهم ثانية.
وإذ تغيب أحدهم يعلمون أنه قد فارق الحياة أو أنه مريض فيذهبون إليه، فإن كان قد فارق الحياة وربما منذ عدة أيام يكفنونه ويصلون عليه ويدخلونه إلى الطافوس، أما إذا كان مريضا فإنهم يذهبون لزيارته على دفعات، وكل منهم يحمل ما يستطيع لإسعاف المريض وبغير ذلك لا يجرؤ أحد أن يقتحم خلوة أخر إلا إذا كان سيمنحه زادا من النعمة تعينه كمصارع يصارع قوات الظلمة الغير منظورة ….
ومنشوبيات البعض كانت تبعد نحو عدة كيلومترات عن الكنيسة وكانوا يعتمدون على رهبان نتريا في معيشتهم فيحضرون لهم الخبز وكان الآباء في جبل القلالي يقومون بغزل ونسج الكتان مقاطف الخوص كما كانوا ينزلون وقت الحصاد للريف يعملون فيه كأجراء، ومن تمتع منهم بالخط الحسن كان يقوم بنساخة الكتب وهذه المهمة كانت تدر ربحا وافرا.
بذلك كانت منطقة القلالي أشد وحدة ونسكا وتقشفا من منطقة نتريا التي كانت تعتبر منطقة إعداد لحياة الشركة الرهبانية، أما من يرغب في التقشف أكثر والوحدة والهدوء كان يشد الرحال إلى الصحراء الداخلية في منطقة القلالى فيجد ترحيبًا شديدًا من آباء القلالي حتى يعرضون عليه ترك
مسكنهم له وكانوا يُنشئون منشوبيات جديدة للقادمين في خلال يوم واحد فالبعض يُحضر الطوب والآخر المياه لبناء المنشوبية ذات الجدران السميكة والتى تكثر لها الطاقات المتنوعة لحفظ الكتب أو وضع السرج والأيقونات أو الإحتفاظ ببعض الأشياء.
ومنطقة القلالي دعيت باليونانية “قلايا Kellia” ودعيت باللاتينية “سيليا Cellia”، ودعيت بالقبطية “نيري Hipi” ودعيت في العربية “مونا”.
إستمرت الرهبنة في هذه المنطقة أكثر من أربعمائة عام عاش فيها آلاف النساك الذين باعوا كل شئ وإقتنوا اللؤلؤة الكثيرة الثمن أولئك الذين حولوا القفر سماء، وعاشوا كملائكة أرضيين أو كبشر سمائيين، ففي هذه المنطقه كانت السماء قريبة جدا جدا من الأرض، وأرواح الملائكة والقديسين قريبة جدا جدا من سكان القلالي ..
ودير جبل القلالي عاش فيه كثير من القديسين منهم:
. الأنبا إيسيذوروس الذي عُرف برئيس بيت الضيافة بالإسكندرية وهو من جبل القلالي.
. القديس بفنوتيوس الملقب بالبسيط.
(۱) الأنبا إيسيذورس قس الإسقيط ترهب أولا في منطقة نتريا وصار كاهنا يخدم المتوحدين في منطقة القلالي – راجع سنكسار ٢٤ بؤونة.
. القديس بيمن بعد أن قضى في شيهيت سبعين عاما أتى إلى برية جبل القلالي.
. وأيضًا الأنبا شيشوي جاء إلى جبل القلالي، وجاء أيضًا الأنبا أمونيوس الطويل (٢).
وآخرين كثيرين غيرهم توافدوا على جبل القلالي.
وقد إشتهر الأنبا مكاريوس السكندري بالحياة النسكية التي جعلت منه معلما لآباء رهبان كثيرين.
وقد ظلت منطقة القلالي عامرة بالرهبان حتى القرن الثامن وقد إندثرت الحياة الرهبانية من جبل القلالي بعد دخول العرب وتخريبها والسكنى فيها، وبحلول القرن التاسع صارت مهجورة إذ رحل الرهبان إلى الإسقيط رحيلا هادئا فلم يخلفوا ورائهم كتب أو مخطوطات أو أجساد قديسين .. إلى آخره.
أعاد (مثلث الرحمات الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية والرئيس الاول لدير الانبا مكاريوس السكندري ) ملامح الحياة الديرية في جبل القلالي بعد ۱۲ قرن من الزمان قد اندثرت فيها الحياة الرهبانية.
فكيف إكتشف نيافته هذه المنطقة؟
وكيف تأكد أنها جبل القلالي الذي عاش فيه أبو مقار السكندري والآباء الرهبان والقديسين والتي أسسها الأنبا أنطونيوس والأنبا أمونيوس؟
(۲) راجع كتاب الرهبنة القبطية للقمص متى المسكين.
عندما سُئل (مثلث الرحمات الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية والرئيس الاول لدير الانبا مكاريوس السكندري ) عن كيفية إكتشاف الدير أجاب بأنه في البداية لم يكن يعرف تماما أن ما تطأه أقدامه هي منطقة القلالي ودير القديس مكاريوس السكندري … ولكنه يعرف عن المراكز الرهبانية الثلاث في المنطقة الشمالية وهي:
منطقة الإسقيط .. بوادي النطرون على يد القديس أبو مقار الكبير ( ٣٠٠ – ٣٩٠م).
منطقة جبل نتريا على يد الأنبا آمون الكبير (ق. أمونيوس) (٢٧٥ – ٣٤٠م).
منطقة جبل القلالي .. على يد أنبا بامو والقديس مكاريوس السكندري.
سيم (مثلث الرحمات الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية والرئيس الاول لدير الانبا مكاريوس السكندري ) أسقفًا للبحيرة سنة ١٩٧١م مع نيافة المتنيح الأنبا يوأنس أسقف الغربية، وكانا الإثنين باكورة الرسامات بيد المتنيح قداسة البابا شنودة الثالث .. ومنذ سيامة نيافته على إيبارشية البحيرة التي كانت قبلا تابعة لكرسي طنطا حيث كان الأنبا إيساك المتنيح مطران كرسي الغربية والبحيرة وكفر الشيخ .. ولم تكن للإيبارشية ملامحها التي تميزها الآن.
وعندما سيم (مثلث الرحمات الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية والرئيس الاول لدير الانبا مكاريوس السكندري ) على إيبارشية البحيرة منذ اليوم الأول كان يبحث عن قطيع المسيح في كل أرجاء الإيبارشية المترامية الأطراف.
وبعد رسامة نيافته بنحو إثنتي عشر سنة، حوالى سنة ١٩٨٢م ذهب ليبحث عن القطيع فوجد كنزا عظيمًا.
ذهب إلى هذه المنطقة التابعة لمديرية التحرير وهي منطقة صحراوية بدأت تزحف عليها الزراعة منذ سنة ١٩٦٥م .. كان ينزل ويمشي مسافات طويلة ليبحث عن أولاده ويتفقد الجميع ليعرف ظروف كل منطقة وإحتياجاتها وطبيعة الخدمة فيها والعادات المنتشرة والإعتقادات السائدة فيها ..
وبينما كان يتجول في الصوم الكبير سنة ١٩٨٢م، وجد رجلاً فلاحا ينحنى مقدمًا. ميطانية، كان منظره غريب عن المنطقة.
سأله من أين وماذا يفعل .. وعرف أنه يعمل فلاحا مع عدد قليل من العمال قادمين من محافظة المنيا لإستصلاح وزراعة أرض مهندس مسيحي فأسرع بمعرفة المهندس والتعرف عليه وطلب منه أن يصلي قداس للعمال في الإستراحة الخاصة به في هذه الأرض، فرحب بالفكرة .. وصلى(مثلث الرحمات الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية والرئيس الاول لدير الانبا مكاريوس السكندري ) أول قداس في هذه الأرض (۳) مع العمال وكان عددهم نحو ٢٠ أو ٣٠، وكانت فرحتهم كبيرة جدا أن الأسقف بنفسه يأتي ليبحث عنهم ويطمئن علي أحوالهم ويخدمهم.
ولم يكن يعرف نيافته أنه بهذه الخدمة البسيطة مع أناس غرباء سيجني ثمارها إكتشاف دير القديس مكاريوس بجبل القلالي.
بخدمة نيافته أكثر بالمنطقة تعرف علي منطقة الآثار وتجول
(۳) حاليًا أصبح المكان الذي صلى فيه نيافته أول قداس بيت الخلوة للآباء الكهنة بالدير.
في المنطقة الأثرية وقام بزيارتها مرات عديدة وأحضر طلبة الكلية الإكليريكية للتعرف على المنطقة وآثارها وتدوين المعلومات البحثية وتوصيفها، وركب معهم جرار زراعي وتجولوا في المنطقة المسماة “منطقة آثار جبل القلالي”.
الأمر العجيب .. الذي يوضح عمل الرب مع أبناؤه وتأييده للعمل وفرحته بأمانة خدمة أولاده عندما كان نيافته ذات مرة مسافرا إلى سويسرا وجد مجلة سويس إير swiss air في الطائرة ووجد بها مقال تحت عنوان “كيليا kellia”.. وإذا به مقال يتحدث عن منشوبيات جبل القلالي والحفريات التي تجري فيها بواسطة البعثة السويسرية والبعثة الفرنسية، والمقال يعرف القارئ بهذه المنطقة وقيمتها الأثرية الكبيرة، ثم يختتم بنداء إنساني للعالم للتبرع للمساهمة في حفريات منطقة القلالي.
هل يمكن أن نقول أن كل هذا صدفة؟ أم أنها يد الرب التي تعمل مع مختاريه وخائفي إسمه؟ كما قال يشوع “بهذا تَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ الْحَيَّ فِي وَسَطِكُمْ” (يش ٣ : ١٠).
يقول (مثلث الرحمات الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية والرئيس الاول لدير الانبا مكاريوس السكندري ): “عندما إشترينا هذه الأرض لم يدر بخلدى أنها ستكون يوما ديرا للقديس مكاريوس السكندرى .. كنت أظن أنها منطقة آثار يجب أن نحافظ عليها وفي نفس الوقت تضم كنيسة لخدمة أبناء المنطقة والعاملين فيها. أما بعد أن إتضحت الملامح أمامي، وضعت في نفسي إحياء التراث القديم وإعادة الحياة الرهبانية بجبل القلالي، أحد مراكز الرهبنة
ولكنني احتفظت بالفكرة لنفسي لسنوات طويلة، لأن ملامح الدير لم تكتمل بعد”.
بدأ (مثلث الرحمات الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية والرئيس الاول لدير الانبا مكاريوس السكندري ) ببناء كنيسة في سنة ۱۹۹۲م، ودعاها بإسم “كنيسة السيدة العذراء والقديس مكاريوس السكندري )، وتم سيامة كاهن يقوم على خدمتها ورعاية سكان المنطقة، وبدأت ملامح المنطقة تظهر أكثر حتى صار اليقين الكامل أنها منطقة القلالي، ولاسيما أنها تبعد نفس المسافة تقريبا التي ذكرها التاريخ من قرية البرنوجي حيث كانت منطقة نتريا.
وكانت هناك بعثتين سويسرية وفرنسية تقومان بعمل حفائر في المنطقة، كانت البعثة الفرنسية تابعة للمعهد الفرنسي في القاهرة والمعهد الفرنسي هو الذي تولى مسئولية طباعة نتائج الحفريات التي بدأت نحو سنة ١٩٣٢م وسنة ١٩٣٦م، ثم سنة ١٩٦٦م (تقريبا) ووضعوا خرائط للمنطقة وحددوا أماكن المنشوبيات ووضعوها على الخريطة عبارة عن نقاط صغيرة، وقد تعرف نيافته علي البعثتين ودعاهما لزيارة المطرانية بدمنهور وإطلع على المراجع التي قاموا بكتابتها بعد أن أهدوها له وإهتم بزيارة جبل القلالي معهم في عدة أماكن مختلفة.
وقد قام العالمان الأثريان جيومون ودوما من المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة ( ١٩٦٤ – ١٩٦٥م) بكثير من الأبحاث الأثرية عن جبل القلالي.
ويتراوح عدد المنشوبيات من ٦٠٠
(٤) الآن معروفة في الدير بإسم الكنيسة الأثرية، وقد سميت كذلك لأنها قد بنيت على الطابع الأثري.
إلى ١٠٠٠ منشوبية في مجلدات ضخمة باللغة الفرنسية تجد في صفحة صورة المنشوبية وفي الصفحة المقابلة وصف المنشوبية والشكل المعماري لها والرسم الهندسي، وفي هذه المجلدات الضخمة وضعوا تصور تاريخي للمنطقة وكيف بدأت فيها الرهبنة القبطية، وكيف تطورت، وكيف إنتهت وخصائص الحياة الرهبانية .. إلخ.
وقد أعطوا في عملهم كل منشوبية رقم معين، وكشفوا التراكمات الترابية عن بعض المنشوبيات.
والكثير من آثار المنطقة يسمح الرب بإكتشافها مثل آثار المنشوبيات التي إنتشرت في المنطقة منها الصغير ومنها الكبير وكثير من بقايا الجدران باقية توضح معالم المنشوبية.
فكان التاريخ أمينا حتى حفظ لنا هذه الآثار التي تعرضت للتخريب ولم يهتم بها أحد علي مدار ۱۲۰۰ سنة …
فالتاريخ الأمين يخبرنا عن أمجاد الأسلاف الأنبا أنطونيوس الكبير والأنبا آمون الكبير والأنبا بامو وأبو مقار الكبير وأبو مقار السكندري، وكاسيان، ويوحنا القصير وأسماء تلمع في سماء الفضيلة بلا عدد، لكنهم لم يجدوا مخطوطات أو أجساد قديسين أو أدوات كنسية، أو أيقونات، أو ما شابه ذلك، لأن رحيل الرهبان من هذه المنطقة كان رحيلا هادئا، ولم يكن رحيلا مفاجئا بسبب هجوم مفاجئ عليهم أو ما شابه ذلك، وفي رحيلهم حملوا كل ما يخصهم، بإستثناء بعض الأيقونات التي رُسِمَت على الجدران وبعض الأدوات الفخارية،
فقد تركوا المنطقة وإتجهوا للإسقيط، وحملت جدران المنشوبيات كثير من الرسوم والزخارف البسيطة. كما وجد عليها كثير من النصوص الجدارية باللغتين القبطية واليونانية مثل صلوات وتذكارات للرهبان.
مثال لما عُثر عليه :
سجل تذكاري محفورًا على إحدى الطاقات جاء فيه: “تذكار نياحة الأخ السعيد المطوب مينا بن خائيل الذي من مدينة الأميرية، وكان هذا الأخ إنسانا بحق قد أكمل وحفظ وصايا أبائنا القديسين، ورقد في الساعة الثامنة عشر من ليلة الخامس من أمشير سنة ٤٤٥ لدقلديانوس (۷۲۹م) أذكروه يا إخوة ليعطي المسيح راحة لروحه آمين آمين مع كل قديسيه، واذكروني أنا أيضا الخاطئ الضعيف الذي كتب هذا حتى يقبل المسيح توبتي ويصفح عن خطاياي آمين آمين آمين.
كما عثر على كتابات عربية يصعب قراءتها على الحوائط كتبت بقصد تشويه الصورة الجدارية، وتفيد دخول العرب لهذه القلالي ومحاولة تخريبها والسكنى فيها.
وبلا شك أن الأيام القادمة ستحمل إكتشافات عظيمة فيما زالت الأرض تحتفظ بها في باطنها .
والحقيقة أننا نتذكر (مثلث الرحمات الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية والرئيس الاول لدير الانبا مكاريوس السكندري ) كثيرا لأمانته وسرعة تحركه عندما عرف بتاريخ المنطقة وإرتباطها بالقديس مكاريوس السكندري وديره بجبل القلالي إنه لم
يتوانى للحظات عن التحرك في الحفاظ على تاريخ المنطقة وآثارها .. فالزراعة تزحف فيها سريعا وتحول الأراضي الصحراوية إلى زراعية فتدمر الآثار التي في طياتها، كما أخذت ترعة النوبارية من المنطقة الأثرية، وكذلك شريط السكة الحديد، ولولا نشاط نيافته وعدم تهاونه لما حصلت الكنيسة على هذا الدير .. ولما أنقذت هذه المساحة .. فقد أعطاه الرب نعمة وغيرة أن يخدمه ويقوم بالسير على رجليه في كل مكان، وكل هذه المناطق كانت صحاري وغيطان وكل المذابح الموجودة حاليًا لو لم يكن يسير بنفسه على قدميه ما كانت قائمة الآن.
لقد داس نيافته كل شبر في الإيبارشية وكل مكان داسه كان يعمر حسب الوعد الإلهي “كُل مَكَانِ تَدُوسُهُ بُطُونُ أَقْدَامِكُمْ يَكُونُ لَكُمْ” (تث ١١: ٢٤).
وبالرغم من سرعة تحركه وعمله .. لكن بتواضعه الجم يقول : “لقد أحسست بالتبكيت لأن الأجانب سبقونا إلى هذه المنطقة ونحن لم نكن نعلم عنها شيئا، ولاسيما أنها في إيبارشيتى وهذه مسئوليتي فإلتهب قلبي”.
نداء ..
كما وجه: “أوجه نداء وطني وهو نداء كنسي أيضا في نفس الوقت نداء لكل إخوتي الآباء المطارنة والأساقفة بلا إستثناء .. على كل واحد منهم أن يبحث بجدية عن التراث القبطي والآثار القبطية ويعمل على
إحيائها .. لابد للأسقف أن ينزل ويتجول بنفسه ليتعرف على هذه الكنوز .. فلو لم آتِ إلى هذا المكان وأتجول فيه بنفسي وأسير مسافات طويلة ما كنت قد إكتشفت هذا الكنز الثمين ولضاعت هذه المنطقة بالكامل تحت الزحف الزراعي السريع .. هذه خدمة للوطن وللسياحة وللكنيسة”.
الإعتراف بالدير
إكتملت ملامح الدير وتم الإعتراف به كأحد الأديرة القبطية العامرة في جلسة المجمع المقدس برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني بتاريخ 5 يونيو ٢٠١٤م.
تم إختيار نيافة مثلث الرحمات الأنبا إيساك (0) كمرشد روحي للرهبان وقام (مثلث الرحمات الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية والرئيس الاول لدير الانبا مكاريوس السكندري ) برهبنة رهبان من الإخوة الذين تقدموا للرهبنة وتم منح ثلاثة رهبان رتبة الكهنوت.
وفي عام ٢٠١٥ م تم شراء قطعة أرض خارج الدير معروفة الآن باسم “مزرعة عنقود العنب وتم تعميرها زراعيا، مع تأسيس بعض المشروعات الخدمية فيها وهى ورشة النجارة، وورشة الليزر، وورشة البراويز، ومصنع البلاستك، وفي نفس العام
(٥) مثلث الرحمات نيافة الأنبا إيساك من مواليد ۲۱ أكتوبر ۱۹۳۷م، ترهب في ٤ يناير ١٩٦٤م، وسيم قسا ٢٥ يونيو ١٩٦٧م، وقمصا في ١٥ أغسطس ١٩٦٨م، وخوري إبيسكوبوس ١٨ يونيو ۱۹۷۸م، وأسقفًا عامًا ومرشدًا روحيًا لدير القديس مكاريوس السكندري 1 يونيو ٢٠١٤م، وتنيح في ٦ سبتمبر ۲۰۲۲
تم بناء قصر الضيافه بالدير للزوار، وفي الطابق الثاني أعلاه توجد كنيسة الثلاث مقارات القديسين.
وفي عام ٢٠١٦م تم الإنتهاء من بناء منشوبيات (1) قلالي الرهبان والتي تحتوي على ٤٨ قلاية يسكن فيها حاليا رهبان الدير والتي بدأ العمل في بناءها في أواخر عام ٢٠١٤م، وإنشاء مخزن الطعام، وكذلك مكتب للتبرعات والنذور.
وفي عام ۲۰۱۷ م تم شراء المزرعة الداخلية بالدير والمعروفة باسم (أرض كنعان) وحاليًا يوجد بها مبنى بيت الخلوة للآباء الكهنة، ومبنى بيت الخلوة للشباب، كما يوجد بها بعض المشروعات الخدمية بالدير مثل: ورشة الميكانيكا، وورشة الصناعة الشمع الكنسي، معمل الأباركة الكنسية، مزرعة الأرانب، ومعمل لصناعة الصابون السائل مزرعة الدواجن المنحل، دوار للمواشي، كما يوجد بها مبيت لعمال الدير.
وفي صباح يوم الجمعة ١٩ يناير ۲۰۱٨ م قام صاحبي النيافة(مثلث الرحمات الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية والرئيس الاول لدير الانبا مكاريوس السكندري ) والأنبا إيساك بوضع حجر الأساس لكاتدرائية السيدة العذراء والقديس مكاريوس السكندري بالدير بحضور مجمع رهبان الدير والأخوة.
الزيارات التاريخية لقداسة البابا تواضروس الثاني للدير
قام قداسة البابا تواضروس الثاني بعمل زيارتين للدير:
الزياره التاريخية الأولى : وكانت في صباح يوم الأثنين الموافق ۱۹ فبراير ۲۰۱٨م، وتعد هذه الزيارة أول زيارة لقداسته للدير بعد الإعتراف به من قبل المجمع المقدس في 5 يونيو ٢٠١٤م . وهي أيضا أول زيارة لبطريرك الكنيسة بعد إعادة إحياء الحياة الرهبانية في منطقة برية القلالي حيث يوجد الدير من بعد انقطاع الحياة الرهبانية فيها مدة ١٢٠٠ عام أي من القرن الثامن الميلادي.
وفي خلال الزيارة قام قداسته ولفيف من الآباء الأساقفة الحاضرون بتدشين كنيسة القديس مكاريوس السكندري والمعروفة بالكنيسة الأثرية (۸) والتي تحتوي على ثلاث مذابح، تم تكريس المذبح الأوسط فيها بإسم القديس مكاريوس السكندري، والمذبح البحري تم تكريسه بإسم السيدة العذراء مريم، والمذبح القبلي تم تكريسه بإسم القديس مكاريوس الكبير.
وكذلك أيضا تم تدشين كنيسة الثلاث مقارات القديسين والتي تحتوي على مذبحين المذبح الأوسط تم تكريسه بإسم الثلاث مقارات القديسين، والمذبح البحري تم تكريسه على اسم القديس الأنبا أمونيوس.
وبعد انتهاء القداس الإلهي قام قداسته والآباء الحاضرين بوضع حجر الأساس لمبنى بيت الخلوة والضيافة بالدير، وبعدها قام قداسته وبصحبته نيافة الأنبا باخوميوس بزيارة المنطقة الأثرية المجاورة للدير.
الزيارة الثانية: والتي كانت بعد الأولى بثلاث سنوات حيث وصل إلى الدير مساء يوم ١٥ يناير ٢٠٢١م، وحضر مع قداسته لفيف من الآباء الأساقفة وقام بإفتتاح مبنى الخدمات بالدير والمعروف بمبنى الذياكونية، الذي يحتوي على حجرة الرباتية، ومضيفة مجمع الآباء الرهبان المكتبة الإستعارية حجرة المخطوطات، وعيادة الأسنان، ومركز العلاج الطبيعي، غرفة المكتبة الإلكترونية والميديا، قاعات للمحاضرات حجرة للمخطوطات، وكنيسة الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا للآباء الرهبان
وفي صباح اليوم التالي السبت ١٦ يناير ٢٠٢١م قام قداسته ومعه لفيف من الآباء الأساقفة بتدشين كاتدرائية السيدة العذراء مريم والقديس مكاريوس السكندري، وهي تحتوي على ثلاثة مذابح
. الأوسط بإسم السيدة العذراء مريم والقديس مكاريوس السكندري.
. المذبح البحري بإسم الشهيد مارمينا والبابا كيرلس السادس.
. المذبح القبلي بإسم الأنبا باخوميوس أب الشركة وتادرس تلميذه.
كما تم تدشين حامل الأيقونات والمعمودية.
وأيضا تم تدشين كنيسة الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا بمبنى الدياكونية، وهي تحتوي على مذبح واحد فقط.
أعمال أخرى ..
في منتصف عام ٢٠٢١م تم تكريس مذبح للملاك ميخائيل في منارة الكاتدرائية.
وعلى الجانب القبلي للكاتدرائية يوجد مدفن مزار الآباء الأساقفة حيث دفن فيه مثلث الرحمات الأنبا إيساك المدبر الروحي للدير بعد نياحته.
إنشاء طافوس الدير حيث يرقد فيه أول من تنيح من الآباء الرهبان الراهب صرابامون السكندري.
تم إنشاء الصيدلية، والمطبخ ومضيفة العمال، ومضيفة للزوار وأسر الآباء، ومشغل للملابس الرهبانية، الكانتين والمكتبة مطحن للبن، ومخبز لخدمة الدير بيت لحم، ورشة الكمبيوتر والصيانة، معمل المخلل، انتاج التوابل، مغسلة لخدمة فرش المذابح.
(۱۰) تنيح في ١٣ أكتوبر ۲۰۲۱ ، راجع كتاب مصباح منير في جبل القلالي» من إصدار الدير عن سيرة الراهب صرابامون السكندري.
ختاماً
بعد نياحة مثلث الرحمات الانبا ايساك ومثلث الرحمات الانبا باخوميوس مازالوا يشفعون ويطلبون عن الدير
وفي يوم 15 يونيو2025 تم تجليس نيافة الانبا باخوميوس الثاني ليكمل مسيرة التعمير الروحي و المعماري و الخدمي و الانتاجي واحياء المناطق الاثرية .
جميع الحقوق محفوظة لدي دير الانبا مكاريوس السكندرى | ©2025